السيد محمد الصدر

311

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ورَبِّي أَهَانَنِ على مقاصد سيّئةٍ . وجواب ذلك : أنَّ هذا وإن كان هو الأغلب ، لكنّنا قلنا : إنَّ مطلق الإنسان لا يتعيّن ولا ينحصر بالإنسان السيّئ ، بل بمطلق الإنسان ، ومطلق الإنسان له حصّتان : حصّةٌ سيّئةٌ وحصّةٌ جيّدةٌ ، ومن الواضح أنَّ الحصّة الجيّدة أقلّ جدّاً من الحصّة السيّئة ، ولكن لا يعنينا أن تكون الحصّة الجيّدة هي المقصودة أو الحصّة السيّئة ؛ فهذا إنسانٌ وذاك إنسانٌ ، فحينئذٍ ينبغي أن نفهم من قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ ورَبِّي أَهَانَنِ أنَّ ذلك إذا صدر من الإنسان الجيّد فهو بقصدٍ جيّدٍ ، وإذا صدر من الإنسان السيّئ فهو بقصدٍ سيّئٍ ، فهو كلّي قابلٌ للصدق على السوء وعلى الخير معاً . فإن قلت : فإنَّ قوله : كلا ونحوها تدلّ على الحمل على السوء ؛ لأنَّها كما قال في ( الميزان ) : ردعٌ لقولهم : إنَّ الكرامة هي في الغنى والتنعّم ، وفي الفقر والفقدان هوانٌ ومذلّةٌ . والمعنى : ليس كما تقولون ، وإنَّما إيتاؤه تعالى النعمة وإمساكه عنه كلّ ذلك ابتلاءٌ وامتحانٌ يُختبر به حال الإنسان من حيث عبوديّته « 1 » . وهذا أرجح القرائن للحمل على السوء ، يعني : كلا ، لا تقولوا ذلك ، أو أنَّ مضمون قولكم منفي ، في حين لو كان يُراد منه الخير لما كان نفيه صحيحاً . اللّهمّ إلّا أن يُراد به مستوىً أعلى من قبيل : أنَّ النظر إلى أُمور هذه الدنيا خيرها وشرّها غير مطلوبٍ ؛ لأنَّه من النظر إلى الخلق دائماً ، والمطلوب النظر إلى الخالق مباشرةً ( صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه كلّها ) « 2 » .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 283 : 20 ، تفسير سورة الفجر . ( 2 ) قال أُويس القرني : ما سمعت كلمةً كانت للحكماء أنفع من قولهم : ( صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه كلّها ) حسبما أورده في مجموعة ورّام 113 : 2 .